وجهة نظر مغاربية ” مجموعة قصص”  – لم أعد طفلة –

  0

وجهة نظر مغاربية ” مجموعة قصص” – لم أعد طفلة –



tamer12

مجموعة قصص في مائة واثنتين وثلاثين صفحة بعنوان – لم أعد طفلة – للقاصّة خولة الشّيحي من منشورات نادي الحدود الشمالية الأدبيّ وهو النّادي الذي سجّل اسمه بحروف من ذهب بين أشهر النوادي العربيّة التي اعتنت بالأدب الابداعيّ وهّيأت الطّريق للمبدعين في مجالات الثقافة، وقد أصدر النّادي منشورات كثيرة تعتبر علامات في منظومة الأدب الحديث.
– لم أعد طفلة – مجموعة قصص تتميّز بالطرافة والمهنيّة في سرد الأحداث ووصف الحالات النفسيّة المتأزّمة للشخصيات، وكذلك بجماليّة لا شكّ فيها في الأسلوب وفي انتقاء العبارة التي تأسر القارئ وتدفع به إلى مواصلة القراءة المتأنّية.
منذ القصّة الأولى – لم أعد طفلة – من الصّفحة -08-الى الصّفحة -13- نكتشف قدرة فائقة لدى القاصّة في حصر ملامح الشخصيّة الرّئيسيّة وإبراز كلّ جزئيّة من جزئياتها، وكلّ حركة تأتيها الشّخصيّة، خطوة أو وقفة أو تأمّل في المحيط من حولها أو إبحار في الماضي هي لوحات فنّية مرسومة بريشة فنّانة دقيقة الملاحظة ومقتدرة على إبلاغ مضمون الرّسالة بتفاصيلها إلى القارئ.
الشخصيّة الرّئيسيّة في هذه القصّة وهي فتاة – لم أعد طفلة – أخذت تروي تفاصيل حكاية حبّ بدرجة العشق مطبوعة بالألم والحزن والخيبة.
فتاة صغيرة – طفلة – تحبّ شابّا، تتعلّق به، تفتن به، تتقرّب منه، تبوح له بمشاعرها إلاّ أنّه يقابل بوحها بالرّفض فلا يبادلها ولو نزرا قليلا من مشاعر الحبّ ملوّحا في وجهها كلّ مرّة بكلمات تحزّ في نفسها وتضاعف من معاناتها.. أليس أصعب فترات الحبّ التي يعانيها المرء – امرأة أو رجلا – هي فترة الطّفولة إذ يرى العاشق أو العاشقة أن لا طعم للحياة ولا معنى للوجود خارج فيض العشق الذي يصاب به ذات لحظة دون أن يدري.
ما إحساس عاشقة صغيرة حين يتلفّظ أمامها الفتى الذي عشقته قائلا :
” عودي إلى منزلك يا صغيرتي “.
أجل، هناك فارق في العمر بين الصبيّة والشاب، لكنّ الحبّ لا يعترف بالحواجز والفوارق والتكافؤ.. ما إحساس الصّغيرة التي قهرها العشق حين يمسك المعشوق بإحدى ضفائرها ويواجهها بعدم التجاوب مع مشاعرها الملتهبة.
” حينها كأنّه غرز خنجرا في الأعماق بلا مبالاة.”
من عناصر قوّة هذه القصّة مزج المشاعر الرّقيقة اليافعة المتكسّرة المحطّمة بغضب الطّبيعة ، زمجرة العاصفة ودويّ الرّعد ونيران البرق وهطول المطر.
عزّزت القاصّة انكسار المشاعر وتحطّم الأمل بعنف الطّبيعة الذي ترتجف له القلوب وتشتدّ فيه المخاوف حتى يرى المرء أنّها النّهاية.
وتمرّ الأياّم.. أيّام الشخصية – الطّفلة – تسافر وتدرس وتتأهّل للتدريس وتصبح فتاة مكتملة النضج والأنوثة.. إنّه التحدّي، طفلة صغيرة منكسرة تقرّر أن تتهيّأ للحياة لكسب أدوات المواجهة والإنتصار.. هي الآن لها الحقّ في أن يبادلها الشابّ فيض الحبّ الذي تحمله له بفيض حبّ أكبر.
هاهي تقف أمامه شامخة معتزّة بشخصيّتها لكنّها رغم ذلك خائفة ومرتبكة.
” نظرت إليه، تأمّلت ملامحه التي حفرت لنفسها مكانا في زوايا ذاكرتي، نفس الملامح لكن يكسوها غبار الماضي.عيناه بنظرتها العميقة لم تتغيّر إلاّ من خطوط صغيرة ظهرت على زواياها، فمه المطبق كما هو، إلاّ انّه ازداد قسوة.”
يرسم هذا الوصف اللّحظة والمكان والشخصيتين المتواجهتين صورة فنّية ليس من اليسير التوفيق في رسمها إلاّ إذا كانت القاصّة على قدرة فنّية وأدبيّة عالية مثل خولة الشيحي.
الأمل يتجدّد والحلم يولد ويكبر، وفي نفس اللّحظة في الحيّز المكانيّ الذي يتواجهان فيه يرتفع صوت طفل صغير :
” بابا بابا.. انظر ماذا وجدت.. بابا انظر للعصفور المسكين.”
تهاوى قصر الرّمال وتحوّل الحلم إلى سراب وعاد الألم يملأ قلب الشابّة فالخيبة التي أصابتها وهي طفلة أصابتها الآن وهي شابّة مكتملة.
” جمعت بقايا حلمي الذي تبدّد ووأدت تلك البقايا في مهدها ودفنتها في ذلك الحقل في صمت.
” تراجعت للوراء خطوات بصمت – أيضا – وللأبد..”

ملاحظة: اقتصرت وجهة النظر هذه فقط على القصة الأولى في المجموعة – لم أعد طفلة – لأنّ الإحاطة بكلّ القصص يتطلّب مساحة أوسع ودراسة معمّقة.

د.عبد القادر بن الحاج نصر.
روائي وناقد تونسي






أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com